الحمد الله القائل: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 102
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
التقوى ..

عمل قلبي جديد نتحدث عنه اليوم سائلين الله تعالى ان يجعلنا من اهل التقوى والرشاد

وأن ينفع بما سننقله اليوم وان يجعله خالصا لوجهه الكريم...
لعظم شأن التقوى في الإسلام كان النبي يفتتح خطبه ببعض الآيات التي فيها الأمر بالتقوى.

وسار الخطباء والوعاظ على هذه السبيل، إذ قلما تخلو خطبة أو موعظة من الوصية بالتقوى

و الحث على التحلي بها...

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران:102)
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) (الأحزاب:70).
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119).
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ ) (الحشر: 18)
بل إن الله سبحانه جعل التقوى شرطا في حصول الإيمان فقال جل وعلا: (( وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) (المائدة: 57)
والتقوى هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين كما قال سبحانه:
(وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ) (النساء: 13 ).
ولأهمية التقوى أمر الله تعالى نبيه بها فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ) (الأحزاب: 1)
وجعل الله التقوى من خير ما يتزود به الإنسان فقال سبحانه: ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (البقرة: 197)
وذم سبحانه المتكبرين الذين لا يقبلون النصح بالتحلي بالتقوى، فقال سبحانه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بالإثم فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) (البقرة:206)
وجعل سبحانه التفاضل بين الناس بميزان التقوى فقال جل وعلا: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات: 13)

حقيقة التقوى:
التقوى مأخوذه من مادة وقى فهي من الوقايه..وهي ما يحمي الإنسان به نفسه ,,هذا لغة أما شرعا فتعاريفها كثيره احدها:
حفظ النفس عن الإثم بإمتثال اوامر الله واجتناب نواهيه تجنبا لعذابه..
وقد عرفها احد السلف بتعريف جميل وجدته في جامع العلوم والاحكام فقال:
التقوى / هي ان تعمل بنور من الله في طاعة الله..ترجو ثواب الله..وتترك معصية الله..على نور من الله..وتخاف عقاب الله..
وعلي رضي الله عنه عرفها بانها /[ العمل بالتنزيل والخوف من الجليل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل]
اما ابن مسعود فقد فسر قوله تعالى ((يا ايها اللذين امنوا اتقوا الله حق تقاته)) قال: بأن يطاع فلا يعصى .. وان يذكر فلا ينسى .. وان يشكر فلا يكفر ..
وكل هذه معان متقاربه...
الرسول صلى الله عليه وسلم وصى معاذا يوما فقال له :
(( اتق الله حيثما كنت ))..
اتق الله حيثما كنت معناتها أن تتقي الله في نفسك و في بيتك وفي اهلك وفي عملك ...اتق الله حتى ولو كنت وحدك خاليا:
فالشاعر يقول:
إذا ماخلوت الدهر يوما فلا تقل....خلوت ولكن قل علي رقيب..
نعم لان الله سبحانه وتعالى مطلع عليك حيثما كنت يراك ويسمعك ويعلم ماظهر منك ومابطن ويسع علمه كل شيء..من هنا اتق الله حيثما كنت..

مراتب التقوى:
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: التقوى ثلاث مراتب: إحداها: حمية القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات. الثانية: حميتهما عن المكروهات. الثالثة: الحمية عن الفضول
فالأولى: تعطي العبد حياته،
والثانية: تفيد صحته وقوته،
والثالثة: تكسبه سروره وفرحه وبهجته.
الطريق الى التقوى ( وسائلها ):
يمكن تقسيم التقوى إلى قسمين:
واجبة ومستحبة.
أما الواجبة:
فلا يمكن أن تتحقق إلا بفعل الواجبات وترك المحرمات والشبهات،
وأعظم الواجبات: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وأعظم المحرمات : الشرك بالله والكفر بجميع أنواعه. قال تعالى: ((الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (البقرة 1-4)
قال معاذ بن جبل: ينادى يوم القيامة: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب منهم ولا يستتر، قالوا له: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله بالعبادة.
وقال الحسن: المتقون اتقوا ما حرم عليهم، وأدوا ما افترض عليهم.
وقال عمر بن عبد العزيز: ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله: ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرا، فهو خير إلى خير.
وأما التقوى المستحبة: فهي تكون بفعل المندوبات وترك المكروهات، وربما بالغ المتقي في التنزه عن بعض ما هو حلال مخافة الوقوع في الحرام.
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: تمام التقوى أن يتقي الله العبد،حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حرام يكون بينه وبين الحرام...

وقال الحسن:
ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام.
وقال الثوري: إنما سموا متقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى.
خل الذنوب صغيرهـا وكبيــــرهـا ذاك التقــى
واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقــرن صغيـــــرة إن الجبـال مـن الحصـى

كيف ابعث في نفسي ((تقوى الله سبحانه وتعالى )):
وبمعنى آخر كيف اعين نفسي على ان اكون تقيا:
1- كثرة العباده:
يقول الله سبحانه وتعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (البقرة:21)
2- أداء العبادة على الوجه الأكمل:
لقوله تعالى: ( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى) (البقرة:203)
3-الجدية في التعامل مع شرع الله تعالى:
لقوله تعالى: ( خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 63)
4- تطبيق الحدود الشرعية:
بقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:179)
5- إقامة شعائر الإسلام والتحلي بمكارم الأخلاق:
لقوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة:177)
6- الصيام: لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183)
7- تعظيم شعائر الله: لقوله تعالى:
(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32)
8- العدل: لقوله تعالى: ( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (المائدة: 8)
9- العفو: لقوله تعالى: ( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (البقرة: 237)
10- تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره:
لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) (الحجرات: 3)
وهنا موقف جميل من المواقف التي تثبت شدة تقوى الصحابه رضوان الله عليهم : لما نزلت هذه الآية كان ثابت بن قيس بن شماس - رضي الله عنه - جهوري الصوت، وكان من خطباء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلما نزلت هذه الآية تغيَّب في بيته وصار لا يحضر مجالس النبي صلى الله عليه وسلم، فافتقده الرسول صلى الله عليه وسلم وسأل عنه فأخبروه أنه في بيته منذ نزلت الآية، فأرسل إليه رسولاً يسأله، فقال: إن الله تعالى يقول: { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصوتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } .
وإنه قد حبط عمله، وإنه من أهل النار، فدعاه الرسول صلى الله عليه وسلم فحضر، وأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة، وقال: « أما ترضى أن تعيش حميداً، وتُقتل شهيداً، وتدخل الجنة؟ » (7) قال : بلى رضيت، فقُتل - رضي الله عنه - شهيداً في وقعة اليمامة، وعاش حميداً، وسيدخل الجنة بشهادة الرسول - عليه الصلاة والسلام –

وبالجملة: فجميع الطاعات من أسباب حصول التقوى، وجميع المعاصي من معوقات حصول التقوى،




الإيمان له حقيقة ، وله ثمار ، وحقيقته ما وَقَرَ في القلبِ ، وصدّقه العمل ، وما عدا ذلك فدعاوى لا مستند لها .





وقد قيل :

وإذا بحثت عن التـّـقـيّ وجدتـه *** رجلاً يُصدّق قوله بـِـفِـعـالِ

وإذا اتّــقـى اللهَ امـرؤٌ وأطاعـه *** فـيَـداه بين مكـارمٍ ومَعـالِ

وعلى التَّقـيِّ إذا ترسّـخ في التُّـقى *** تاجـان : تاج سكينة وجمـال

وإذا تناسبت الرجــال فمـــا أرى *** نسباً يكون كصالح الأعمــال


وقد حصل ما يُشبه ذلك الفَهْم في زمنِ عمرَ بنِ الخطاب – رضي الله عنه – .
فقد روى عبد الرزاق في المصنف أن عمر بن الخطاب استعمل قُدامةَ بنَ مظعون على البحرين – وهو خالُ حفصة وعبد الله بن عمر – فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر من البحرين ، فقال : يا أمير المؤمنين إن قدامةَ شَرِبَ فسَـكِرَ ، ولقد رأيت حـدّاً من حدود الله حقّـاً عليّ أن أرفعَه إليك .
فقال عمر : من يشهدُ معك ؟
قال : أبو هريرة ، فدعا أبا هريرة فقال : بِمَ تشهد ؟
قال : لم أرَهُ يشرب ، ولكني رأيتُهُ سكران .
فقال عمر : لقد تنطّعتَ في الشهادة .
قال : ثم كتب إلى قدامة أن يَقْدُم إليه من البحرين ، فقال الجارودُ لعمر : أقم على هذا كتابَ الله عز وجل ، فقال عمر : أخصمٌ أنت أم شهيد ؟ قال : بل شهيد . قال : فقد أديتَ شهادتَكَ .
قال : فقد صمت الجارود حتى غدا على عمر ، فقال : أقم على هذا حدَّ الله .
فقال عمر : ما أراك إلا خصما ! ، وما شهد معك إلا رجل .
فقال الجارود : إني أنْشُدُكَ الله .
فقال عمر : لتُمسكنَّ لسانَك أو لأسوأنّك .
فقال الجارود : أما والله ما ذاك بالحق . أنْ شَرِبَ ابنُ عمك وتسوءني .
فقال أبو هريرة : إن كنت تشكُّ في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فَسَلْها – وهي امرأة قدامة – فأرسل عمر إلى هند ابنةِ الوليد ينشُدُها ، فأقامت الشهادة على زوجها .
فقال عمر لقدامة : إني حادُّك .
فقال : لو شربت كما يقولون ما كان لكم أن تجلدوني !
فقال عمر : لِـمَ ؟
قال قدامة : قال الله تعالى : ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )

فقال عمر : أخطأتَ التأويل . إنك إذا اتقيتَ اجتنبتَ ما حرّمَ اللهُ عليك .
قال : ثم أقبل عمر على الناس ، فقال : ماذا تَرون في جَلْدِ قدامة ؟
قالوا : لا نرى أن تجلده ما كان مريضا .
فَسَكَتَ عن ذلك أياماً ، وأصبح يوماً وقد عَزَمَ على جَـلْـدِهِ ، فقال لأصحابه : ماذا ترون في جَلْدِ قدامة ؟
قالوا : لا نرى أن تجلده ما كان ضعيفا .
فقال عمر : لأن يلقى اللهَ تحتَ السياطِ أحبُّ إلي من أن يلقاه وهو في عنقي . ائتوني بسوطٍ تامّ فأمر بقدامة فجُـلد .

والشاهد قول المُحَدَّث الملهمِ عمر – رضي الله عنه – : أخطأتَ التأويل . إنك إذا اتقيتَ اجتنبتَ ما حرّمَ اللهُ عليك .

كما أن قدامةُ – رضي الله عنه – لم يَحتجَّ على عمر – رضي الله عنه – بأن التقوى ها هنا ، ولم يُشِرْ إلى صدره .

قال ابنُ حبان في روضة العقلاء : أولُ شُعبِ العقل لزوم تقوى الله ، فإن مَنْ اصلَحَ جُـوّانِيّه أصلَحَ اللهُ بَرّانيَّـه ، ومن فَسَـدَ جُوّانيّه أفسـد اللهُ بَرّانيّـه .

قال أبو محمد الأندلسي في نونيته :
إن التّـقيَّ لـربِّـه مُتنـزِّهٌ *** عن صوتِ أوتارٍ وسمـعِ أغانِ
وتلاوةُ القرآن من أهل التُّقى*** سيما بحُسن شجا وحُسنِ بيان
أشهى وأوفى للنفوس حلاوةً *** مِن صوت مزمارٍ ونقـرِ مَثَانِ

هذا ما فهمه سلف هذه الأمة .
((( إنك إذا اتقيتَ اجتنبتَ ما حرّمَ اللهُ عليك )))
و
ليس الإيمان بالتّمني ولا بالتّـحـلِّي ، ولكنه ما وَقَـرَ في القلوب ، وصدقته الأعمال . كما قال الحسن – رحمه الله – .




قصص في التقوى:




زيِّـن حياتَـك بإتقـائِه ** واجعل تقاتَك في رضائِهْ

وإذا أُصِبـتَ بمحْنــةٍ ** فانصبْ خِبـاءَك في فنائِهْ

فالله قـرْب عبيــدِهِ ** وعلا تعالـى فـي استوائِهْ

وتجدْهُ يسْمعُ إنْ شكو **تَ ، وآمنـاً من قـوْل :لاءِهْ

ويجـودُ مـن نعمائِـهِ ** كلُّ الخليـقةِ من عطـائِهْ

فردٌ بخلـْـــقِ الكائنا **ت ، بها البقاءُ على حِبائهِْ

مـاردَّ سائـلَ حاجـةٍ ** فالـردُّ يُحظرُ مـنْ حيائِهْ

فأعبدْ إلهَـكَ واصبـاً ** واجمْـَع همومـَكَ في لقائِه

واختـرْ لنفسكَ منْهجـاً **تهفـُو السَّمـاءُ إلى سمائِهْ

مِنْ مُنْـزَلٍ بالوحْـي تنْظُ**ـرُ بالتدبـُّر فـي ضيائِهْ

لتصيـرَ مرْتديـاً بـِهِ ** ثوبَ التطهـُّـرِ في اكْتِسائِهْ

وخُـذِ السَّلاح مُجاهـداً **فالنَّصـرُ يبـرقُ في سنائِهْ

هذا لعمرُ أَبيـكَ مـَـا **يدْعـُو الشُّعوبَ إلى إعتلائِهْ

لا ترغبــنَّ بمنْهــجٍ ** رضَعَ الخَناعـَـةَ في غذائِهْ

مِنْ كلِّ مَن هُو في لِباسِ الذُ ** لِّ أجبــنُ مـن نسائِهْ

سكَنَ الخضـوعُ بقلْبـِهِ ** والرِّقُّ ينبـضُ فـي دمائِهْ

فالمجدُ أسْـرعُ ما يكـو** نُ إلـى شُجاعٍ فـي إبائِهْ

يُبْنـىَ بكِـلِّّ عزيمــةٍ ** غــرَّاءَ ترفَـعُ مـن بنائِهْ

كيْ تعلوَ الصرحَ الذي ** رفـعَ الرجالَ علـى علائِهْ

سأبدا بقصة طريفة أعجبتني كثيرا ولكني لم اقف على مصدرها بعد لعلي ابحث فيها لاحقا والقصد اخذ العظة والعبره والانتفاع بما ورد:
ذكر أن شابا فيه تقى وفيه غفلة، طلب العلم عند أحد المشايخ،
حتى إذا أصاب معه حظاً
قال الشيخ له ولرفقائه :لا تكونوا عالة على الناس فإن العالم الذي يمد يده إلى أبناء الدنيا لا يكون فيه خير،
فليذهب كل واحد منكم وليشتغل بالصنعة التي كان أبوه يشتغل بها، وليتق الله فيها، وذهب الشاب إلى أمه فقال لها: ما هي الصنعة التي كان والدي يشتغل بها؟
فاضطربت المرأة وقالت:

أبوك قد ذهب إلى رحمة الله فما بالك وللصنعة التي كان يشتغل بها
فألح عليها، وهي تتملص منه حتى اضطرها إلى الكلام .
أخبرته وهي كارهة أنه كان لصاً.

فقال لها إن الشيخ أمرنا أن يشتغل كل بصنعة والده ويتقي الله فيها..

قالت الأم: ويحك وهل في السرقة تقوى؟
وكان في الولد غفلة وحمق،
فقال لها: هكذا قال لنا الشيخ .
وذهب وسأل وتدرب وسمع الأخبار حتى عرف كيف يسرق اللصوص، فأعد عدة السرقة وصلى العشاء وانتظر حتى نام الناس،وخرج ليشتغل بصنعة أبيه كما قال الشيخ،
فبدأ بدار جاره وهمّ أن يدخلها.
ثم ذكر أن الشيخ أوصاه بالتقوى

وليس من التقوى إيذاء الجار ،
فتخطى هذه الدار ومر بأخرى
فقال لنفسه: هذه دار أيتام ، والله حذر من أكل مال اليتيم،
ومازال يمشي حتى وصل إلى دار تاجر غني ليس فيه حرس ويعلم الناس أن لديه أموال تزيد عن حاجته
فقال: هاهنا .
وعالج الباب بالمفاتيح التي أعدها ففتح ودخل فوجد دارا واسعة وغرفا كثيرة،
فجال فيها حتى اهتدى إلى مكان المال، ففتح الصندوق فوجد من الذهب والفضة
فهم بأخذه ثم قال:لا لقد أمرنا الشيخ بالتقوى،
ولعل هذا التاجر لم يؤد زكاة أمواله ، لنخرج الزكاة أولا ً!!
وأخذ الدفاتر وأشعل فانوساً صغيراً جاء به معه، وراح يراجع الدفاتر ويحسب،
وكان ماهراً في الحساب، خبيراً بإمساك الدفاتر، فأحصى الأموال وحسب زكاتها، فنحى مقدار الزكاة جانباً، واستغرق في الحساب حتى مضت ساعات فنظر فإذا هو الفجر فقال
تقوى الله تقضي بالصلاة أولاً.
فخرج إلى صحن الدار فتوضأ من البركة، وأقام الصلاة،
فسمع رب البيت ورأى فنظر عجباً
فانوساً مضيئاً!! ورأى صندوق أمواله مفتوحاً،ورجلاً يقيم الصلاة،
فقالت له امرأته : ما هذا؟؟

قال: والله لا أدري ، ونزل إليه
فقال: ويلك من أنت وما هذا؟ قال اللص: الصلاة أولاً ثم الكلام !
وهيا توضأ وصلي بنا فإن الإمامة لصاحب الدار،
فخاف صاحب الدار أن يكون معه سلاح، ففعل ما أمره والله أعلم كيف صلى!
فلما قضيت الصلاة قال له خبرني من أنت وما شأنك؟
قال: لص
قال: وما تصنع بدفاتري؟
قال: أحسب الزكاة التي لم تخرجها من ست سنين،
وقد حسبتها وفرزتها لتضعها في مصارفها،
فكاد الرجل يجن من العجب فقال له: ويلك ما خبرك هل أنت مجنون؟
فخبره خبره كله، فلما سمعه التاجر ورأى ضبط حسابه، وصدق كلامه،وفائدة زكاة أمواله.
ذهب إلى زوجته فكلمها.وكان له بنت ،ثم رجع إليه
فقال له: ما رأيك لو زوجتك ابنتي وجعلتك كاتباً وحاسباً عندي؟
وأسكنتك أنت وأمك في داري؟ ثم جعلتك شريكي؟
قال : أقبل .. وأصبح الصباح،
فدعا المأذون بالشهود وعقد العقد وهذا جزاء الفتى لأنه اتقى الله سبحانه وتعالى

من القصة نفهم أن في كل عمل تقوى الله أن نضع الله أمام أعيننا كأنه يرانا ونخافه هذه هي التقوى ..
عن عبد الله بن دينار قال : خرجت مع ابن عمر إلى مكة فعرسنا فانحدر علينا راع من جبل ، فقال له ابن عمر : أراع؟ قال : نعم . قال : بِعني شاة من الغنم . قال : إني مملوك . قال : قل لسيدك أكلها الذئب . قال : فأين الله عز وجل ؟ قال ابن عمر : فأين الله ؟ ثم بكى ثم اشتراه بعد فأعتقه .
كان (المبارك) رجلا صالحا تقيا.... وكان يعمل حارسا لبستان أحد الأغنياء وظل فى عمله فترة...... حتى جاء يوم.... جاء فيه صاحب البستان ومعه بعض أصحابه،،، وطلب صاحب البستان من المبارك ؟أن يحضر لضيوفه بعض الثمر.... فأحضر المبارك بعض الثمر وقدمها للرجل وضيوفه....... وكانت المفاجأة انها كلها كانت حامضة!!!!!!!! فقال صاحب البستان منزعجا: ما هذا يا رجل؟؟؟؟؟ أردت احراجى أمام ضيفى فجلبت ثمرا حامضا!!!!!!!! فقال المبارك:وكيف لى ان أعرف أن الثمر حامضا ؟؟؟؟ فقال صاحب البستان : ألا تعرف الفرق بين الثمر الحامض والثمر الطيب؟؟؟؟ فقال المبارك: نعم لا اعرف يا سيدى فاستغرب صاحب البستان وقال: تعمل كل هذه المدة فى البستان ولا تعرف الفرق!!!!! ام تأكل يوما من ثمره؟؟؟؟ فقال المبارك: لم آكل من ثمر البستان منذ عملت فيه، فلقد استعملتنى للحراسة ولم تأذن لى بالأكل من ثمره...... فعجب صاحب البستان من رد المبارك ومضى..... ولكن اجابات الحارس الأمين أثرت فى صاحب البستان،، فعمد الى جيران البستان يسألهم عن المبارك فأثنوا عليه خيرا وتكلموا فى ورعه وتقواه،،،، وبعد عدة أيام جاء صاحب البستان الىالبستان وقال للمبارك: اني مستنصحك فى أمر .... فقال المبارك: وما هو؟؟؟؟ فقال : صاحب البستان: لى ابنة شابة حبيبة الى قلبى قد تكاثر خطابها،،، فبرأيك من أزوجها؟؟؟؟ فقال المبارك: يا سيدى ان العجم يزوجون للجمال وان العرب يزوجون للنسب وان المسلمين يزوجون للدين فاختر لها ما شئت فصمت الرجل برهة ثم قال: وأنا سأزوجها للدين....... وأخطبك أنت لها..... فتزوجا وبارك الله لهما وأنجبا ولدا نجيبا سمياه عبد الله...... فكان (عبد الله بن المبارك) من مؤسسى علم الحديث....
نسأل الله العلي العظيم أن يجعلنا من أهل التقوى وأن يوفقنا واياكم الى كل خير...

هل أعجبك الموضوع؟ ,, أترك لي تعليقا: