الحمد لله رب العالمين والصلاة على النبي الأمين وبعد:


فإن المحبين لهم أسرار مع أحبائهم لا يطلع عليها إلا الأحبة.
وهذه الأسرار هى وقود المحبة بينهم وقتما كُشف سرٌ من أسرارهم كُدرَ عليهم صفو حبهم.

غير أن أمثالى من الذين يحبون ويتمنون أن ينضموا لقافلة المحبين
ليس لهم سبيل إلى ذلك إلا بالكشف والتنقيب والبحث عن هذه الأسرار
فيتحلوا بها ويتزيوا بزى المحبين.

ولما كان الله عز وجل هو أعظم محبوب
فهو الذى تألهه قلوب الصالحين والعارفين به سبحانه وتعالى
كان لزاماً علينا أن نتعقب ونسأل عن هذا الحب ....



ا
لحب الإلهي... الحنين المتجدد والشوق المستمر من لم يذقه ما عرفه.... متجدد مع الأنفاس..... أي مرتبه تسمو إلى هذه المرتبة.... طوبى لمن رزقه....
المحبون هم الذين أنار حب الله لهم آفاق السماء فأمطرت عليهم سحب الأشجان وصحبتهم العبرات وزفرات الأشتياق....


ا
رتضوا حبهم لله منهجا وشرعة هم في واد والناس في واد ولسان حالهم يردد أبيات العابدة ((رابعة العدوية )):

فليتك تحلو والحياة مريرة .....وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر......وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين....وكل الذي فوق التراب تراب

~محبة الله عز و جل هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون واليها شمر المشمرون وعليها تفانى المحبون وهي اللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام وأحزان....
تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة.إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب . وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة : أن المرء مع من أحب . فيالها من نعمة على المحبين سابغة، تالله لقد سبق القوم السعادة وهم على ظهور الفرش نائمون، وتقدموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون.....



بمحبة فقط بمحبة ~
والنتيجة أن من قرت عينه بالله سبحانه,,, قرت به كل عين وأنس به كل مستوحش وطاب به كل خبيث وفرح به كل حزين وأمن به كل خائف وشهد به كل غائب وذكرت رؤيته بالله ومن اشتاق إلى الله اشتاقت إليه جميع الأشياء.
~من أحب الله:
جعل لحظات عمره وتردد أنفاسه ونبض قلبه وقفا لله عز وجل- فهي غاية الغايات واعلى المنزلات وقد قال ربنا في سورة الذاريات..(( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ))
قال الرسول صلى الله عليه وسلم ((ان الله تعالى يحب معالي الامور ويكره سفاسفها))صححه الالباني 
قوم تخللهم زهو بسيدهم *** والعبد يزهو على مقدار مولاه
تاهوا به عمن سواه له*** ياحسن رؤيتهم في حسن ماتاهوا

~فلا عيش إلا عيش المحبين لان هممهم لا ترضى بالدون ولا حب عندهم إلا للحبيب الأول......... 
والله ماطلبت أرواحنا بدلاً *** منكم ولا انصرفت عنكم امانينا 
قال احدهم:
((مساكين أهل الدنيا ، خرجوا من الدنيا وماذاقو أطيب مافيها‘ قيل : ومأطيب مافيها؟: قال محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره وطاعته))
يقول أخر ((إنه ليمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب)). 
وقال اخر((والله ماطابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته، ولا الجنه إلا برؤيته ومشاهدته))..
~ ماذا يحدث عندما ينطق القلب بتلك المحبة.....؟
برفـّةِ روحي .. وخفقة قلبي *** بسرّ سرى في كياني يلبّي
سألتكَ ربي لترضى، وإني *** لأَرجو رضاكَ - إلهي - بحبّي
وأَعذبُ نجوى سرتْ في جَناني *** وهزَّت كياني ((أحبُّك رَبي))
***

وما كنتُ بالحبِّ يوماً شقيّا *** ولو فَجَّر الحّب دمعي العصيّا
فهذا سكوني .. ودمعُ عيوني *** يناجي.. ينادي نداءً خفيّا
((تباركت ربي.. تعاليت ربي)) *** ويَنفدُ عمري ولم أُثنِ شيّا
***

دعوتكَ ربي بنجوى السحَرْ *** بصوتِ النجاوى ، بصمت الفِكَرْ
دعوتكَ ربي بعَبرةِ طُهرٍ *** يفوقُ سناها سناءَ القمرْ
دعوتك ربي بعَبْراتِ خوفي *** دعوتكَ ربي بتلك الأُخَرْ
***

بحبِّك ربّي فؤادي خَفَقْ *** وذاب كياني ودمعي دَفَقْ
سيفنى فؤادي ويفنى كياني *** ويبقى نشيديَ فوقَ الورقْ
((أحبك ربي، أحبك ربي)) *** ويخلُدُ حبّك بعدَ الرَّمقْ

(اعلمي إن لحب الله خُلق الخلق ولأجله خلقت الجنة والنار وله أرسلت الرسل ونزلت الكتب ولو لم يكن جزاء الأنفس وجوده لكفى به جزاء وكفى بفوته حسرة وعقوبة
إذن ما معنى الحب ؟
معاني الحب في اللغة تدور على خمس معاني : 
1- الصفاء والبياض .
2- العلو والظهور
3-اللزوم والثبات
4-اللب..
5-الحفظ والامساك 

تأمل هذه المصادفة!! :
حروف الحب 
حرف الحاء : من أقصى الحلق يعني من بداية الحلق 
و حرف الباء : الشفوية التي من نهايته 
((فللحاء ابتداء وللباء انتهاء وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب فإن ابتداءها منه وانتهاءها اليه .)) 
~ قيل عن المحبة : 
المحبة : الميل الدائم بالقلب الهائم . المحبة : إيثار المحبوب على جميع المصحوب المحبة : موافقة الحبيب في المشهد والمغيب ...المحبة : مواطأة القلب لمرادات المحبوبالمحبة : ان تهب كلك لمن احببت فلا يبقى لك منك شي....المحبة: ان تمحو من القلب ما سوى المحبوب المحبة : توحيد المحبوب بخالص الإرادة وصدق الطلب...المحبة : سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب المحبة : ان لايؤثر على المحبوب غيره.....المحبه: ان يكون كلك بالمحبوب مشغولاً.... قال الجنيد في المحبه وقيل هو من اجمع ماقيل :
جرت مسألة المحبة في مكه أيام المواسم – فتكلم فيها الشيوخ وكان الجنيد أصغرهم سناً . فقالوا هات ماعندك ياعراقي . فاطرق رأسه ، ودمعت عيناه ثم قال (( 
عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه ثم قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه أحرقت قلبه أنوار هيبته وصفا شربه من كاس وده وانكشف له الجبار من استار غيبته فان تكلم فبالله وان نطق فعن الله وان تحرك فبأمر الله وان سكت فمع الله فهو بالله ولله ومع الله) فبكى الشيوخ وقالوا ماعلى هذا مزيد جزاك الله خير ياتاج العارفين .
تشتاقكم كل أرض تنزلون بها *** كأنكم في بقاع الارض امطار
وتشتهي العين فيكم منظرا حسناً *** كانكم من عيون الناس اقمار
لا أوحش الله ربعا من زيارتكم *** يامن لهم في الحشا والقلب تذكار

~ الأسباب الجالبة لمحبة الله: 
كيف أكسب محبة الله؟

قال 
ابن القيم رحمه الله :
(
الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها،وهي عشرة: 
** قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد منه .
**التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض ، فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة .
** دوام ذكره على كل حال : باللسان والقلب والعمل والحال ، فنصيبه من المحبه على قدر نصيبه من الذكر .
** إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى والتسنم إلى محابه وان صعب المرتقى .
**- مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها .
** مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ، ونعمه الظاهرة والباطنة.
** انكسار القلب بين يدي الله تعالى
**الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبوديه بين يديه ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة .
** مجالسة المحبين والصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر ، ولا نتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيدا لحالك ومنفعة لغيرك.
** إبعاد أي شيء يحول بين القلب وبين الله عز وجل





~محبة الله من كمال العبودية:
ا
لعبودية : مرتبة عظيمة من مراتب المحبة .
قال ابن القيم رحمه الله : (( 
حقيقة العبودية : الحب التام مع الذل التام والخضوع للمحبوب ))..
ولما كمل النبي صلى الله عليه وسلم وصفه الله بهذه المرتبه ((
تبارك الذي أنزل الفرقان على عبده ....) ...
ولنعلم أن 
سر العبودية وغايتها وحكمتها : إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب عزوجل ولم يعطلها انما خلق الله الخلق لعبادته الجامعة بكمال محبته مع الانقياد والخضوع له . 
فأصل العبادة : 
محبة الله ، بل إفراده بالمحبه ، وأن يكون الحب كله لله ، فلايحب معه سواه وإنما يحب لأجله وفيه ، كما يحب أنبياؤه ورسله وملائكته وأولياؤه ، فمحبتنا لهم من تمام محبته وليست محبه كمحبة من يتخذ من دون الله أنداد يحبونهم كحبه والعبودية لله تضم : قول اللسان ...قول القلب....عمل القلب . & قول القلب : 
هو اعتقاد ماأخبر الله سبحانه بع عن نفسه ، وعن أسمائه وصفاته، وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله صلوات الله وسلامه عليهم .
& قول اللسان : 
الإخبار عنه بذلك ، والدعوة إليه ، والذب عنه وتبيين نطلان البدع المخالفة له ، والقيام بذكره وتبليغ أمره
&عمل القلب : 
كالمحبه ، والتوكل عليه ، والإنابه إليه ، والخوف منه ، والرجاء إليه ، وإخلاص الدين له ، والصبر على أوامره ، وعن نواهيه 



نماذج من الحب الخالص لله






1
- عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري : أتى يوم أحد ولبس أكفانه، وقال: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، فقتل شهيداً.
ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم لـفاطمة : أخت عبد الله -عمة جابر -: (تبكين أو لا تبكين ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه) (1) .
وفى حديث آخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (يا جابر ما لي أراك منكسراً؟
قال: يا رسول الله، استشهد أبي، وترك عيالاً وديناً.
قال: أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك.
قال: بلى، يا رسول الله.
قال: ما كلم الله أحداً قط إلاّ من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحاً، فقال: تمنّ عليّ أُعطك!!
قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية.
قال الرب عزّ وجلّ: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون) (1) ، وأنزل الله هذه الآية: ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)).
وكما في حديث آخر: (فجعل الله روحه وأرواح إخوانه في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل) (1) .
وفيهم أنزل الله هذه الآيات: ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)).
2- في السير عند ابن هشام وغيره، أن الرسول صلى الله عليه وسلم وقف قبل غزوة أحد ، يُعلن الحرب على أبي سفيان ، ولبس لأمته صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث في الناس ويشاورهم، أنقاتل في المدينة أم نخرج خارج المدينة إلى أحد .
فقال كبار الناس: يا رسول الله دعنا نقاتل هنا.
فقام شاب من بني عمر بن سالم، فقال: (يا رسول الله، لا تمنعني، ولا تحرمني دخول الجنة، فوالله الذي لا إله إلا هو لأدخلن الجنة.
فقال صلى الله عليه وسلم وهو يتبسم: بمَ تدخل الجنة؟
قال: بخصلتين، قال: ما هما؟
قال: بأني أحب الله ورسوله كثيراً، ولا أفرّ يوم الزحف.
قال صلى الله عليه وسلم: إن تصدُق الله يَصدُقك).
وبدأت المعركة ودارت رحاها، وأتى الصادق فصدق الله فقُتل.
فمر صلى الله عليه وسلم عليه، وأخذ يمسح التراب عن جبينه، وتدمع عيناه صلى الله عليه وسلم، ويقول: (صدقت الله فصدقك الله) (1) .
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجوا ثوابك مغنماً وجوارا
لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا
وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولنا الأزهارا

أسعي لأن تكوني من أولياء الله وأحبائه لتسعدي
، إن من أسعد السعداء ذاك الذي جعل هدفه الأسمى وغايته المنشودة حب الله عز وجل، وما ألطف قوله: ((
يُحِبُّهُمْ ويحبونهَهُ))
قال بعضهم: ليس العجب من قوله: يحبونه، ولكن العجب من قوله: يحبهم؛ فهو الذي خلقهم ورزقهم وتولاهم وأعطاهم، ثم يحبهم: (
((قُ
لْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)).
وانظري إلى مكرمة علي بن أبي طالب ، وهي تاج على رأسه: (
رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله).
(
إن رجلاً من الصحابة أحب ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) فكان يرددها في كل ركعة، ويتوله بذكرها، ويعيدها على لسانه، ويشجي بها فؤاده، ويحرك بها وجدانه، قال له صلى الله عليه وسلم: حبك إياها أدخلك الجنة).


ي
قول الشيخ عائض القرني: ما أعجب بيتين كنت أقرؤهما قديماً، في ترجمة لأحد العلماء، يقول:
إذا كان حب الهائمين من الورى بليلى وسلمى يسلب اللب والعقلا
فماذا عسى أن يفعل الهائم الذي سرى قلبه شوقاً إلى العالم الأعلى

فيا من خلق خلقاً ثم رزقهم ثم هداهم ثم أحبهم أسألك أن تجعلنا من أحبابك، وخالص عبيدك، وصالحي أوليائك؛ فإنك أهل للإجابة، معروف بالإحسان، مقصود لكل مطلوب

هذا ونسأل الله العلي العظيم أن ينفع بهذه الكلمات وأصلي واسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين..



الى لقاء مع عمل قلبي آخر بإذن الله..

هل أعجبك الموضوع؟ ,, أترك لي تعليقا: